في ورشة مهاويس التكنولوجيا العربالتي حضرتها في القاهرة في 23 ديسمبر الماضي قدم الأستاذ حلمي نعمانعرضاً لدراسة مشتركةلفريق بين أربع جامعات هارفارد وتورنتو وكامبريدج وأكسفورد حول الحجب والرقابة على مواقع الانترنت.. والعرض الذي قدمه كان بشأن الشرق الأوسط وشمال إفريقيا..
الدراسة عمومًا تناولت 40 دولة.. ووجدت تباعدًا في الحجب بين دولة وأخرى مثل ما هو الحال بين الجزائر وتونس.. حيث الأولى لا توجد أية دلالة على الحجب في حين الثانية العكس تمامًا.
كما قامت بتقسيم نوعية الفلترة أو الحجب التي تقوم بها الدولة تجاه المواقع حسب محتواها والمواضيع التي تتناولها فكانت أولى هذه التقسيمات هي المواقع التي تتحدث في السياسة لأنها العامل الأول الذي يمس بالدولة والمواقع التي تتحدث عن الحرية التعبير وحقوق الإنسان والحركات العقائدية.. ثم يأتي الجانب الاجتماعي بالخصوص مواقع التي تتناول الجنس وما يرتبط به من مخدرات ومقامرات وغيرها على حسب ما هو منشور على الصفحة.. ثم المحتوى الذي يتناول الأمن والحروب ثم المحتوى المتعلق بالانترنت نفسها وأدواتها من خدمات البريد الالكتروني والاستضافة والبحث وغيرها.
بالنسبة لي لم أكن على اطلاع مسبق حول ما إذا للجزائر تاريخ في الحجب أم لا؟.. وخلال العرض بدأت أتابع خريطة الجزائر في كل نوع من الحجب ولكنها في كل مرة كانت تخرج براءة.. وتشتت بذلك اتهامات بالباطل ألقيتها عليها لمدة طويلة في مجال الانترنت.. لم استطع التعليق على عرض الأستاذ حلمي في حينه خاصة وأنه قبل العرض وفي لقائي الأول به حدثته عن احتمالية حجب مدونتي في فترة من الفترات وأنني تلقيت عدة رسائل من قراء يقطنون في ولايات أخرى غير ولايتي في الجزائر يشكون .. كان أن اخبرني بأن هذا الاحتمال واردًا ولكن يمكن أن يكون هذا مجرد خلل له علاقة بالـ DNS بالدرجة الأولى..
في اليوم الأخير من الورشة كنت أسترجع عرض سامي بن غربيةمن تونس والذي يقطن حاليًا في هولندا حول الحجب في تونس أو ما أسميه الحجب الكارثة.. وربما كان أحد أفضل العروض التي قدمت بتفاصيل وإحصائيات دقيقة.. وهو ما أثار تفكيري وجعلني أقارن بين الجزائر وتونس.. الجزائر في مشاكلها معقدة وأكثر بكثير من تونس وعلى رأس هذه المشاكل مشكلة النظام الجزائري الذي يلقى عزوفًا شعبيا متزايدًا في كل عام.. مشاكل ومواضيع أخرى أنا نفسي الآن لا أود الحديث عنها لأنني لست بتلك الدرجة من الشجاعة التي تجعلني أتطرق إليها إلا بنوع من التلميح.
في صفحة الجزائرالخاصة بالدراسة تعرض فريق البحث لتاريخ الانترنت في الجزائر ( منذ 1993) ثم كسر هذا الاحتكار عام 1998 وتم السماح للشركات خاصة بتقديم الخدمة تحت شروط واضحة.. وبإمكانكم مراجعة هذا الموضوعوالذي يعود إلى 2006 حول الانترنت في الجزائر.. وهذا الموضوع أيضًا يؤكد أن الحجب في الجزائر غير موجود على الرغم من ارتفاع عدد مستخدمي الانترنت ومن بدء بعض الجهات الإعلامية الحكومية في التعامل معها.
الاستفسار الأول يومها كان مادامت الانترنت في الجزائر بهذا المستوى من الحرية ومن خدمات تتحسن مع الوقت ويقابلها مشاكل عويصة جدًا بل هي نقاط سوداء في تاريخ الجزائر لا أحد يتحدث عنها.. فهنا فيما أعتقد علامة استفهام كبيرة تحتاج إلى توضيح؟؟.
لو نظرت إلى جمهور الانترنت فأعتقد بأنني شهدت سنوات تطور الانترنت وتنوع مستخدميها في الجزائر حيث عملت في مقهى انترنت لمدة تتجاوز الـ 12 ساعة يوميًا طيلة 6 سنوات في منطقة جامعية وسكنية مهمة في ولايتي والتي تعتبر حتى الآن من أهم الولايات في عدد مستخدمي الانترنت في الجزائر والشرق الجزائري عمومًا هو الأفضل بحسب مصادر شخصية.. لو استطعت تقسيم المستخدمين لدينا في المقهى من جهة ملاحظ ليس إلا فهي كالآتي:
جامعيون: هؤلاء الجامعيون بعد متابعتي لهم.في الغالب يقومون ببحوثهم الجامعية.. ولكن هذه البحوث التي رأيتها وطريقة البحث نفسها التي يقوم بها هذا الجامعي تكون انتقائية سريعة لا يهم معها دقة المعلومة بقدر ما يهم كمية المعلومات التي يمكن الطالب معه تقديمها للأساتذة ونادرا ما كنت أقع على جامعي جاد في بحثه من خلال الانترنت.. مع ملاحظة أن هناك فئة الأساتذة الجامعيين والذين هم قلة قليلة جدًا مقارنة بعددهم في الجامعة وإن كان هذا النوع من المستخدمين يتميزون بالنوعية وبالوعي بقيمة الانترنت وخدماتها.
رجال وكهول: هذه النوعية من المستخدمين لاحظت أن أعمارها تتراوح بين الـ 35 والـ 50 وهي ما تزال لحد الساعة فئة تحاول اكتشاف عالم الانترنت والعبث فيه دون مقصد معين.. وللمفاجأة فإنها أكثر الفئات التي تبحث في مواقع الجنس والمواقع الإباحية.
الأطفال والمراهقون: آه هنا المشكلة الحقيقية.. صحيح الجيل الحالي هو جيل التكنولوجيا وصحيح تعامله مع التكنولوجيا الجديدة تعامل عادي مثل أي جيل يستوعب الأشياء المستحدثة في حياته منذ الصغر.. ولكنهم في الغالب لا يتعاملون مع الانترنت كأداة للتعلم والتغيير والتطوير –شيء طبيعي- بل أداة تسلية وترفيه أكثر منها وهؤلاء تجدهم يتناولون أي محتوى قد يخطر على بالك من مواقع الجنس والإباحة إلى المحادثة بشكل غير متوقف إلى الألعاب التي تعتمد على الشبكة مثل الـ halflife.. واسألوني كم عانيت منهم خلال تلك السنوات
هذه فقط مجموعة لملاحظات تراكمت مع الوقت ولم انتبه إليها..
نقطة أخرى أود تسجيلها هو أن الدراسة من الملاحظ أنها اهتمت بـ “هل يوجد حجب وفلترة أم لا؟” ولكنها في الجانب الآخر لم تتطرق إلى إجابة في حالة مثل الجزائر ” لماذا لا يوجد حجب“.. هل الأمر متعلق فعلاً بارتفاع سقف حرية التعبير في الجزائر؟.. هل تطرقت الدراسة إلى فترة التسعينات أو العشرية السوداء التي كانت تعيشها الجزائر؟ وبشكل تراكمي أبكمت أفواه الجميع وحتى بعد خروجها منها بمئات الآلاف من الضحايا لا أحد يستطيع الحديث عنها والإجابة عن عشرات الأسئلة التي نحن الجيل الحالي نرغب في معرفة ما الذي حدث فيها بالضبط ومن المسؤول عنها؟.. الدراسة في رأيي تناولت الأرقام والبيانات والملموسات كحال جميع الدراسات الأكاديمية التي تحاول دوما التزام الحيادية والموضوعية والأخذ فقط بالمعطيات الموجودة.. وركزت على النقطة التي يعنيها البحث فقط.
وجهة نظري هنا أن الحجب في الجزائر غير موجود لأن القدرة على التعبير وحريتها ما تزال ضئيلة لدى المواطنين أنفسهم.. بل ولدى الصحافة الجزائرية التي وإن كانت تعتبر الأفضل مقارنة بغيرها من الدول ولكن يجب وضع خطوط كبيرة تحت هذه الصحف ومنشئها وتاريخها ومن يسيرها ولهذا سأسمح لنفسي بأن أقول بأن صحافتنا تسير في الوجهتين لديها حرية تعبير أحيانا مطلقة في مواضيع معينة ولكن في مواضيع أخرى فهي لا تفكر أبدا في مجرد التلميح إليها.. وربما هو راجع إلى العشرية نفسها التي كان فيها الصحافيون على رأس قائمة الاغتيالات.
التراكم الذي سببته فترة حرجة من تاريخ الجزائر انعكس على الجميع بل وانعكس على كل شيء.. فتدهورت خلالها في جميع الميادين وهاجرت وفرت أدمغة عالية القيمة من الجزائر في حين اغتيلت أخرى.. ثم خرجنا من هذه الفترة بصمت مطبق حول كيف ولماذا وماذا حدث؟.. وجاء جيل جديد حاليا في مناخ رديء لا يشجعه على التعبير والإبداع والابتكار بل ما يزال ينتظر حتى الآن حلولاً عظيمة لمشاكله اليومية التي يغرق فيها.. ومؤخرًا كما نلاحظ جميعًا فقوارب الهجرة السرية بدأت تصبح من الأمور المعتادة.. ثم انتقلت العدوى إلى الدول المجاورة.. ولو كانت هناك فعلاً حرية تعبير شجاعة لدى هؤلاء الشباب أو لدى المنابر الصحفية لأثرت على الجهات المسئولة لتجد حلولاً لها.
من جهة أخرى أود أيضًا ذكر نقطة التعبير الكتابي والظهور أمام الجمهور سواء بالصوت أو الصورة فهناك ثقافة احتقار واستهتار لدى الشعب الجزائري نفسه لها.. وأرفض أن يقول لي أي شخص العكس.. وفقط خلال الأعوام الأخيرة بدأت أشهد بعض التقبل للإنسان الكاتب.. حيث أن الثقافة الفراكوفونية المسيطرة تحتقر الكتابة بالعربية وخلال موجة انتشار الانترنت كنت ومازلت أتعرض لمضايقات حادة إذا ما شوهدت أحادث أحدا بالعربية على الماسنجر.
والآن في الجزائر هناك إجماع لدى كل من تناولت معهم الموضوع أن هناك مصدر للخوف مصدر للرعب ولكن المشكلة هو أن هذا المصدر مجهول لحد الساعة.. لا أحد في الجزائر قادر على التعبير والحديث عن كل أفكاره بعلانية وبشكل واضح لأنه خائف.. وحين تسأله مم أنت خائف؟ لا تجد إجابة.. هذه هي النقطة الكبيرة التي تجعل مني ومن أي جزائري آخر يقف حائرًا بشأنها.
وهذه هي الفكرة ببساطة لا يوجد حجب في الجزائر ليس لأن سقف حرية التعبير مرتفع أو كما يصوره البعض.. وإن كان صحيحًا في مواضيع معينة كانتقاد السلطة الشكلية أو السلطة الواجهة في الجزائر وهو ما يعتبره البعض نصرا عظيمًا.. بل المشكلة ألخصها ببساطة “أن ثقافة التعبير العلني من خلال أي وسيلة إعلامية هي المنعدمة والتي تحتاج إلى جهد لتتحرر وعندها أعتقد بأننا سنكتشف الإجابة الصحيحة وردة الفعل هل سيكون هناك حجب ورقابة على مواقع الانترنت – سبيل الجمهور الوحيد حينها – أم أننا فعلاً لدينا حرية تعبير؟؟؟”.